نشرة مُلهِم البريدية الموسم الثاني- العدد #19 - ولا تتبعوا السبل.
خطوة نحو الفاعلية
الركود والسكون عن العمل الإصلاحي ليس وليد لحظة واحدة وإنما يتسلل في صور تأجيلٍ مستمر ومماطلة يظنّ انها عابرة، وماهي إلا لحظات من التسويف تتوالى فتطفأ جذوة العزيمة ويصيح الركود عادة لا ظرفًا مؤقتًا
المنعطفات الخفية في طريق الرسالة
كنت أتساءل: أين كثير من الذين بدأوا طريق العمل للدين وحمل هم الإسلام؟ ولماذا لا يثبت على طريق البذل والرسالة إلا القليل؟ ثم كشفت لي الأيام أن القضية ليست قلة الإمكانات، بل أن في الطريق منعطفات خفية.
ويشتد الألم في زمن الفتن والترف وطغيان الماديات وانتشار الشهوات والشبهات، حيث صار القابض على رسالته كالقابض على الجمر، والناس يُختطفون من ذات اليمين وذات الشمال. قال الإمام أحمد: «عزيز علي أن تذيب الدنيا أكباد رجال وعت صدورهم القرآن».
فهذا كلام محب يرجو أن تستيقظ النفوس، وأن تفر إلى الله سبحانه وتعالى، وتدعوه دعاء المضطر؛ فقد كان من دعاء الراسخين في العلم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾.
إن الطريق إلى الله لا تقطعه العقبات الظاهرة وحدها، بل تقطعه أيضًا منعطفات خفية وناعمة، تتسلل إلى القلب دون أن يشعر بها صاحبها، كفضول المباحات، والانشغال المفرط بالمال، والإغراق في وسائل التواصل والترفيه، وكثرة المخالطة والأسفار، والتسويف والكسل، وصحبة الفارغين والتافهين، واللهث في تطلب الشهادات والمناصب.
هذه السبل لا تقطع الطريق دفعة واحدة، ولكنها تسرق العمر شيئًا فشيئًا، وتفرق الهم، وتضعف العزيمة، حتى يجد المرء نفسه بعيدًا عن رسالته الكبرى؛ ولذلك قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيما فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِ﴾.
وقال ابن القيم: «العلم صناعة القلب وشغله؛ فما لم يتفرغ لصناعته وشغله لم ينلها، وله وجهة واحدة؛ فإذا وجهت وجهته إلى اللذات والشهوات انصرفت عن العلم».
وكذلك كل عمل للدين لا يؤتي ثماره إلا بقلب متفرغ وهمّ مجتمع؛ فالهم كالنهر، إذا توزع رقّ جريانه.
أصل الداء:
وأصل هذه المنعطفات كلها حب الدنيا، حين تستولي على القلب وتصير غاية بعد أن كانت وسيلة في اليد، فإذا بالإنسان صار أسيرًا لها وعبدًا.
وعندما سئل صلى الله عليه وسلم عن الوهن، قال: «حب الدنيا، وكراهية الموت».
وقد فهم الصحابة هذا المعنى جيدًا، فكانوا يعدون الانصراف عن ميادين البذل للدين والانشغال الكامل بالأهل والأموال نوعًا من التهلكة، كما قال أبو أيوب: «لما نصر الله نبيه، وأظهر الإسلام؛ قلنا: هلم نقم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ﴾، فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة: أن نقيم في أموالنا ونصلحها، وندع الجهاد».
والسعيد حقًا هو من وظّف الدنيا لخدمة رسالته، وجعلها معينًا على آخرته، لا من وظّفته الدنيا لخدمتها وشغلته عن آخرته. يقول عبد الوهاب المسيري: «نجحت إلى حد كبير في توظيف المال بدلًا من أن يوظفني، فلم أضطر قط إلى أن أقوم بعمل يتناقض مع مشروعي الفكري أو يعوقه».
بوصلة الآخرة:
إن ذكر الآخرة يجمع شتات النفس، ويعيد ترتيب الأولويات، ويجتث جذور حب الدنيا من القلب. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدّر له».
وقال ابن القيم: «إن في القلب شعثًا لا يلمه إلا الإقبال على الله».
فإذا استقرت الآخرة في القلب، هانت زخارف الدنيا، ورضي المرء فيها بالميسور، وقنع بالكفاية. قال ابن جماعة: «الاقتصار على الميسور، وقدر الكفاية من الدنيا، والقناعة بذلك عن شغل القلب بالتعلق بها، وغلبة الفكر وتفريق الهم بسببها، فإن انصراف القلب عن تعلق الأطماع بالدنيا والإكثار منها، والتأسف على فائتها؛ أجمع لقلبه وأروح لبدنه».
وإذا استغنى الناس بما عندهم من الحطام، فاستغن بالله وبوحيه، وازهد في كل ما يشغلك عنه: ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَٰكَ سَبۡعا مِّنَ ٱلۡمَثَانِي وَٱلۡقُرۡءَانَ ٱلۡعَظِيمَ ٨٧ لَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجا مِّنۡهُمۡ﴾.
وقال الإمام أحمد: «الزهد على ثلاثة أوجه: الأول: ترك الحرام، وهو زهد العوام، والثاني: ترك الفضول من الحلال، وهو زهد الخواص، والثالث: ترك ما يشغل عن الله، وهو زهد العارفين».
وكثير من الناس يظنون أن الحسرة هي فوات حظوظ الدنيا، والحق أن الحسرة الكبرى هي فوات مراتب الآخرة. قال النووي: «وليس بعاقل من أمكنه درجة ورثة الأنبياء ثم فوتها».
أما ما فاتك من الدنيا، فلربما صرف الله عنك ما يضرك أو يشغلك عما هو خير لك. قال ابن الجوزي: «ولقد تأملت نفسي بالإضافة إلى عشيرتي الذين أنفقوا أعمارهم في اكتساب الدنيا، وأنفقت زمن السلوك والشباب في طلب العلم، فرأيتني لم يفتني مما نالوه إلا ما لو حصل لي ندمت عليه».
لا تبرحوا أماكنكم:
ما أعظم الأمانة التي يحملها من عرف الحق وأبصره، وما أجلّ التكليف! قال تعالى: ﴿وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ ثَمَنا قَلِيلاۖ فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ﴾.
إن معرفة الحق ليست شرفًا مجردًا، بل مسؤولية وتكليف؛ ولهذا قال ابن تيمية: «تبليغ الدين من أعظم فرائض الإسلام». ويتأكد هذا المعنى في زماننا، فقد قال ابن باز: «عند غلبة الجهل — كحالنا — تكون الدعوة فرض عين على كل واحد بحسب طاقته».
ومن هنا ينبغي للمرء أن يقف مع نفسه وقفة صادقة، فيسألها: ماذا قدَّمتُ للإسلام؟ وما أكبر همومي؟ وهل تدور حياتي حول رسالتي التي خُلقتُ لها، أم حول مطالب عابرة وشواغل مؤقتة؟
وإن من أعظم الظلم أن يضيّع الإنسان ما استُحفظ عليه من العلم والهدى والرسالة، أو يقصر في تبليغه؛ ولذلك قال ابن تيمية: «فالمرصدون للعلم عليهم حفظ علم الدين وتبليغه، فإذا لم يبلغوهم علم الدين أو ضيعوا حفظه، كان ذلك من أعظم الظلم للمسلمين».
وليس الدين مفتقرًا إلى أحد من الناس، وإنما هي منة من الله أن يجعل العبد من حملة دينه، فإن أعرض عنه أو قصر، لم يضر إلا نفسه. قال تعالى: ﴿هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ تُدۡعَوۡنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبۡخَلُۖ وَمَن يَبۡخَلۡ فَإِنَّمَا يَبۡخَلُ عَن نَّفۡسِهِۦۚ وَٱللَّهُ ٱلۡغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُۚ وَإِن تَتَوَلَّوۡاْ يَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ ثُمَّ لَا يَكُونُوٓاْ أَمۡثَٰلَكُم﴾.
والذي يعيش لنفسه سيعيش صغيرًا ويموت صغيرًا، أما الذي يعيش لدين الله فسيعيش كبيرًا ويموت كبيرًا، ومن عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ﴾.
فاختر لنفسك قبل أن يأتي يوم تقول فيه: ﴿يَٰلَيۡتَنِي قَدَّمۡتُ لِحَيَاتِي﴾.
هي نشرات بريدية ترسل أسبوعيًا على مشتركيها ومحتوى هذه النشرة تعظيم أثر طلاب العلم، يشارك في كتابة محتواها كُتّاب مميزون، مهتمون بمجالات تعظيم أثر طلاب العلم.
التعليقات