فاعلية طالب العلم ليست مترتبة على اكتمال الأسباب والجاهزية، وإنما هي رغبةٌ صادقة ومبادرة تقطع طريق التردد بخطواتٍ من العمل.
(الحكايات عن العلماء ومحاسنهم أحبُّ إليَّ من كثير من الفقه؛ لأنها آداب القوم)
الإمام أبو حنيفة النعمان (ت١٥٠)
***
يعيش الإنسان حياةً واحدة، ويظل حبيسًا لتجربته الخاصة، يدورُ في فَلَكها ويصدُر عنها، حتى يخرج إلى فضاء أرحب يلتقي فيه بأقوامٍ يزيدون عليه في العقل والعلم والإيمان، وتحصيل الكمالات ومعالي الأمور، فتكونَ تلك اللقاءات منعطفًا حادًّا في حياته ومسيرته، تتلاشى أمامها أوهامٌ كثيرة عشعشت في نفسه، وتنبعث معها رحلة من التصحيح والمراجعة الذاتية، وتَتَّقد معها همةٌ لطالما بحثت عن زنادٍ يقدحها.
ولئن ضاق عمر المرء عن تحصيل هذه اللقاءات فإن كتب الطبقات والتراجم قد كانت بالغة السخاء إذ أتاحت له التعرف على ما لا يُحصى من النفوس العظيمة التي بلغت في أحوالها غايةَ ما يطيقه البشر من الكمال، والوقوفَ على علومهم وأحوالهم وكلماتهم التي تكافئ في تأثيرها تلك اللقاءات، بل وتزيد عنها في أحايين كثيرة، وأنت (تقرأُ الترجمة فتشعر كأن المؤلف أحيا المترجَم وبعثه من جديد، وتشعر وقد قرأت الترجمة كأنك لقيت المترجَم وعاشرته وحدثته وقرأت كتبه واستقصيت دخيلة نفسه)(1).
ولئن كانت العناية بكتب الطبقات والتراجم شأنَ العقلاء وشُداة الكمالات في كل أمَّة، فلَأن تكون العناية بها من طلبة العلوم الشرعية أجدرُ وأحرى، فهي من (المطلوبات المهمات، والنفائس الجليلات، التي ينبغي للمتفقه والفقيه معرفتها، وتقبح به جهالتها، فإن شيوخه في العلم آباء في الدين، وصلةٌ بينه وبين رب العالمين، مع أنه مأمور بالدعاء لهم، وبرهم، وذكر مآثرهم، والثناء عليهم وشكرهم) كما يقول الإمام النووي (ت٦٧٦) رحمه الله.
وفي مقدمة كتابه طبقات الفقهاء الشافعية، يقول الإمام أبو عمرو ابن الصلاح (ت٦٤٣) مشيرًا إلى أهمية العناية بهذا الفن لطالب العلم: (إن معرفة الإنسان بأحوال العلماء رفعةٌ وزَين، وإن جهل طلبة العلم وأهله بهم لوصمةٌ وشَين، وقد رُوِّينا عن مسلم بن الحجاج صاحب «الصحيح» رضي الله عنه أنه قال: إن أوَّل ما يجب على مُبتغي العلم وطالبه أن يعرف مراتب العلماء في العلم، ورجحان بعضهم على بعض، ولأن المعرفة بالخواص آصرةٌ ونسب، وهي يوم القيامة وُصلة إلى شفاعتهم وسبب، ولأن العالم بالنسبة إلى مُقتبس علمه بمنزلة الوالد بل أفضل، فإذا كان جاهلًا به فهو كالجاهل بوالده بل أضل)، وعاب رحمه الله على من يخوض غمار علمٍ كالفقه دون مطالعةٍ لتراجم أعلامه وأئمته، قائلًا (لعمري إن من يسأل من الفقهاء عن المزني والغزالي مثلًا، فلا يهتدي إلى بُعد ما بينهما من الزمان والمنزلة؛ لمنسوبٌ من القصور إلى ما يسوؤُه، ومن النقص إلى ما يَهيضه)(2).
وقد تتابع العلماء والفضلاء على أنَّ من أعظم ما يُذْكي من همة طالب العلم، ويُشعل لهيب الدافعية في نفسه إلى العلم والعمل، ويحلِّي باطنه بالفضائل وكريم الأخلاق والمروءات، ويملأُ عليه قلبه روحانيةً وتألهًا: مطالعة سِيَر الأئمة والأعلام، والنظر في تراجمهم وأحوالهم، (ومازال أرباب الهِمم العليِّة والنفوس الأبية يتطلعون إلى محاسن الأخبار؛ ليجعلوها لِقاحًا لأفهامهم، وصِقالًا لأذهانهم، وتذكرةً لقلوبهم، ورياضةً لعقولهم)(3)
أما الثمرات الإيمانية التي تنهمر على المرء عند مطالعته لهذه التراجم فحسبك فيها تلك المقدمة العذبة التي ساقها الإمام أبو عبدالله ابن القيم (ت٧٥١) رحمه الله في كتابه طريق الهجرتين، بين يدي حديثه عن "الجدول اليومي" للسابقين المقربين من أهل الإيمان، وأنقلها بتمامها لعظيم ما فيها من الفائدة والنفع، يقول رحمه الله: (وأما السَّابقون المقربون، فنستغفر الله الذي لا إله إلا هو أولًا من وصف حالهم وعدم الاتصاف به، بل ما شمَمْنا له رائحة، ولكن محبَّة القوم تحمل على تعرف منزلتهم والعلم بها، وإن كانت النفوس متخلفة منقطعة عن اللحاق بهم، ففي معرفة حال القوم فوائد عديدة:
منها أن لا يزال المُتخلِّف المسكين مُزريًا على نفسه، ذامًّا لها، لائمًا لها.
ومنها أنه لا يزال منكسر القلب بين يدي ربه، ذليلًا له حقيرًا، يشهد منازل السابقين وهو في زمرة المنقطعين، ويشهد بضائع التجار وهو في رفقة المحرومين.
ومنها أنه عساه أن تنهض همته يومًا ما إلى التشبث والتعلق بساقة القوم ولو من بعيد.
ومنها أنه لعلَّه أن يصدق في الرغبة واللجأ إلى من بيده الخير كله أن يُلحقه بالقوم ويُهيئه لأعمالهم، فيصادفَ ساعة إجابة لا يسأل الله فيها شيئًا إلا أعطاه.
ومنها أن هذا العلم هو من أشرف علوم العباد، ليس بعد علم التوحيد أشرف منه، وهو لا يناسب إلا النفوس الشريفة ولا يناسب النفوس الدنيئة المهينة. فإذا رأى نفسه تناسب هذا العلم، وتشتاق إليه، وتحبه، وتأنس بأهله فليبشر بالخير، فقد أُهِّلَ له، فليقل لنفسه: يا نفس قد حصل لك شطر السعادة، فاحرصي على الشطر الآخر، فإن السعادة في العلم بهذا الشأن والعمل به، فقد قطعت نصف المسافة، فهلَّا تقطعين باقيها فتفوزين فوزا عظيما!
ومنها أن العلم بكل حالٍ خيرٌ من الجهل. فإذا كان اثنان أحدهما عالم بهذا الشأن غير موصوف به ولا قائم به، وآخر جاهل به غير متصف به فهو خلو من الأمرين، فلا ريب أن العالم به خير من الجاهل، وإن كان العالم المتصف به خيرًا منهما، فينبغي أن يعطى كل ذي حق حقه، وينزل في مرتبته.
ومنها أنه إذا كان العلم بهذا الشأن همَّه ومطلوبه، فلا بد أن ينال منه بحسب استعداده، ولو لمظة، ولو بارقة، ولو أنه يحدِّث نفسه بالنهضة إليه.
ومنها أنه لعله يجري منه على لسانه ما ينتفع به غيره بقصده أو بغير قصده، والله لا يضيع مثقال ذرة، فعسى أن يُرحم بذلك العامل.
وبالجملة ففوائد العلم بهذا الشأن لا تنحصر، فلا ينبغي أن تُصغي إلى من يثبطك عنه، ويقول: إنه لا ينفع. بل احذره، واستعن بالله، ولا تعجز، ولكن لا تغتر، وفرق بين العلم والحال، وإياك أن تظن أن بمجرد علم هذا الشأن قد صرت من أهله. هيهات! ما أظهر الفرق بين العالم بوجوه الغنى وهو فقير، وبين الغني بالفعل، وبين العالم بأسباب الصحة وحدودها وهو سقيم، وبين الصحيح بالفعل!) انتهى كلامه رحمه الله، جعلنا الله من زمرة السابقين المقربين.
يقول المحقق البحَّاثة محمود الطناحي (ت١٤١٧) رحمه الله: (عِلم التاريخ عند المسلمين من العلوم الضَّخمة، ويُوشك هذا العلم أن يكون نصفَ المكتبة العربية... ويدخل فيه، بل يمثل الجانبَ الأكبَر منه فن التراجم، وهو بحرٌ خِضَم... ولقد تَفَنَّن المؤرِّخون المسلمون في كُتُب التراجم تَفنُّنًا عجيبًا، وأخذت تصانيفهم في هذا الفنّ طرائق شتى) وبحسب جامع المصنفات المطبوعة في العلوم الشرعية، فقد بلغت كتب الطبقات والتراجم المطبوعة حتى القرن الثامن أكثر من ٥٠٠ مصنف حافلةٍ بآلاف التراجم والسير.
وإنها لحظوة كبرى لطالب العلم أن يكون تراثه زاخرًا بكل هذه المصنفات، يتناول منها ما شاء، ويتخذها وقودًا له في مسيرته نحو الكمالات العلمية والعملية.
حاشية:
(1)أحمد أمين، فيض الخاطر (٢: ١٨٤)
(2) طبقات الفقهاء الشافعية (٧٥: ١)
(3) من كلام تاج الدين ابن الساعي (ت٦٧٤) نقله عنه السخاوي في الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التوريخ (ص١٤٠)
هي نشرات بريدية ترسل أسبوعيًا على مشتركيها ومحتوى هذه النشرة تعظيم أثر طلاب العلم، يشارك في كتابة محتواها كُتّاب مميزون، مهتمون بمجالات تعظيم أثر طلاب العلم.
التعليقات