نشرة مُلهِم البريدية الموسم الثاني - العدد #16 - منارات في منهج أهل السنة
خطوة نحو الفاعلية
من أدرك شرف غايته وعظم الموعود عند ربه، هانت عليه مشقة الطريق وتكاليف السعي؛ فما من جهدٍ يُبذل في نشر الخير والإصلاح إلا وكان له عند الله أجرٌ موفور، وإن غاب عن أعين الناس.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد..
فبعدما تحدثنا في المقال الماضي عن ضرورة التمسك بالمنهج الحق، واستحالة أن يعيش الإنسان بلا منهج، مهما كانت الفتن، ومهما تكاثرت الشبهات، فإن الواجب على المسلم أن ينطلق من ثوابت الديانة، وينضبط بضوابط الحق، ويسعى صادقا للثبات عليها، "فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تُسألون" [الزخرف: 43-44]
وفي هذه المقالة نتحدث عن منارات رئيسية يسهل بها الوعي بمنهج أهل السنة والجماعة في الاعتقاد والعمل وفي التعامل مع الواقع، نسأل الله أن يلهمنا فيها الحق وحسن البيان.
المنارة الأولى: منهج السلف هو الأصول العلمية والقواعد الثابتة، لا الأشخاص ولا المواقف الجزئية.
الحكم على الوقائع والأشخاص والآراء، كثيرا ما يكون النظر فيه اجتهاديا، وتختلف أنظار أهل العلم فيه، فيظن بعض الناس أن هذه القابلية للاختلاف دليل على عدم وجود منهج قطعي معصوم لأهل السنة والجماعة.
والحقيقة، أن منهج أهل السنة والجماعة هو الأصول العلمية القاطعة المجمع عليها، في وحدة مصدر التلقي، الكتاب والسنة، وفي وجوب الالتزام بما أجمع عليه السلف، وبناء على هذا الأساس المتين، ينضبط اعتقاد أهل السنة والجماعة، ويتفقون عليه طيلة القرون السابقة واللاحقة، وينضبط الخلاف بين أصل السنة بعدم الخروج عن الإجماع وبوجود الأسس التي يبنى عليها الاجتهاد الصحيح، ولا يضر في هذه الحالة وجود القابلية للخطأ في الفروع الاجتهادية، ما دام الأصل ثابتا والمنهج مطردا.
وهذا المنهج قائم على اليقين التام بكفاية الكتاب والسنة لمعرفة مراد الله سبحانه وتعالى، "لأن الله قد ضمن حفظ الذكر الذي أنزله على رسوله ولم يضمن حفظ ما يؤثر عن غيره. لأن ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة هو هدى الله الذي جاء من عند الله وبه يعرف سبيله وهو حجته على عباده؛ فلو وقع فيه ضلال لم يبين لسقطت حجة الله في ذلك وذهب هداه وعميت سبيله؛ إذ ليس بعد هذا النبي نبي آخر ينتظر ليبين للناس ما اختلفوا فيه؛ بل هذا الرسول آخر الرسل. وأمته خير الأمم. ولهذا لا يزال فيها طائفة قائمة على الحق بإذن الله. لا يضرها من خالفها ولا من خذلها. حتى تقوم الساعة"[1].
ويكمل الفهم وينضبط الاستدلال بالسير على ما سار عليه الصحابة والسلف في تلقي هذا الدين والتفقه فيه والعمل به، "كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه " من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات. فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد: أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم حقهم وتمسكوا بهديهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم " وقال غيره: " عليكم بآثار من سلف فإنهم جاءوا بما يكفي وما يشفي ولم يحدث بعدهم خير كامن لم يعلموه ". هذا وقد قال صلى الله عليه وسلم {لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم} فكيف يحدث لنا زمان فيه الخير في أعظم المعلومات وهو معرفة الله تعالى؟ هذا لا يكون أبدا. وما أحسن ما قال الشافعي رحمه الله في رسالته: " هم فوقنا في كل علم وعقل ودين وفضل وكل سبب ينال به علم أو يدرك به هدى ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا"".[2]
ومن ثم فإن «من قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة.»[3]
المنارة الثانية: كل عقيدة سوى عقيدة أهل السنة والجماعة، فإن أصلها الذي انبنت عليه أجنبي عن الشرع، ولولاه لما اختصت هذه الفرق بتلك المقولات.
وهذه خطة سهلة يسيرة، فكل مقولة من أصول الاعتقاد منسوبة إلى الدين فإنه يجب أن تكون الآيات والأحاديث هي مادتها الأولى، بدلالة صريحة واضحة قريبة إلى الفطرة، وبفهم لا يتعارض مع ما جاء عن الصحابة والتابعين ومن تبعهم.
ولعلنا نقتبس هنا ما قرره عبد الرحمن بن يحيى المعلمي رحمه الله تعالى، في كتابه: القائد إلى تصحيح العقائد، فإنه عقد فصلا في بيان معادن الأدلة، وأرجعها إلى أربعة، اثنان سلفيان، واثنان خلفيان، فكل مسألة عقدية فعد إلى معدن دليلها يتبين لك أمرها.
والمأخذان السلفيان هما: الفطرة والشرع.
فالفطرة هي ما يجده الإنسان في وجدانه وما يدركه عقله ضرورة، وما ينتج عنهما في النظر العقلي العادي المباشر.
يقل المعلمي عن هذا المأخذ: "فأما المطلوب شرعًا فإن الله تعالى أعدّ العقولَ العادية لإدراكه، وأعدَّ لها ما يسدِّدها فيه من الفطرة والآيات الظاهرة في الآفاق والأنفس، ثم أكمل ذلك بالشرع. فإذا انقاد العقل العادي للشرع، وامتثل هُداه واستضاء بنوره؛ فقد أمِن ما يُخْشى من قصوره".
وأما الشرع، "فما عسى أن يقال فيه! وإنما هو كلام الله عز وجل وكلام رسوله، لا يُخْشى فيه جهل ولا خطأ، ولا كذب ولا تلبيس، ولا تقصير في البيان {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42].
هذا، والله سبحانه إنما خَلَق الناس ليكمُلوا بعبادته، كما مرَّ في المقدمة، وهو سبحانه الحكيم العليم القدير، فلابد أن يكون خلقهم على الهيئة التي ترشِّحهم لمعرفته ومعرفة ما فرض عليهم الإيمان به، لأن ذلك رأس العبادة وأساسها. ولا نزاع أن الميسَّر لهم قبل الشرع هو المَأْخذ الأول، فلابد أن يكون فيه ما يغني فيما يثبت به الشرعُ بعد تنبيه الشرع، ثم يكون فيه وفي الشرع ما يكفي لتحصيل القدر المطلوب منهم"[4].
وكل مقولة عقدية لم يعرفها السلف، فلن تجد مأخذها إلا من المأخذين الخلفيين البدعيين، وهما: العقل المتعمق، والكشف الصوفي، وقد يقاس على الكشف التقليد المحض للشيوخ.
وهذه البساطة في إدراك حقائق العقائد ليس تبسيطا للمعقد واستسخافا للشبهات، وإنما هو بيان لما يجب أن يكون عليه الحق من الظهور البيان، ومن ثم فإن كل محيد عنه فهو إحداث في دين الله ولابد.
وبقريب مما ذكرنا، ناظر ابن تيمية الأشاعرة الذين استدعوه ليكف عن الإشارة إلى
وبقريب مما ذكرنا، ناظر ابن تيمية الأشاعرة الذين استدعوه ليكف عن الإشارة إلى البدع التي تضمنتها عقائدهم، فأجابهم بطلب سهل مباشر يسير: "وقلت مرات: قد أمهلت كل من خالفني في شيء منها ثلاث سنين فإن جاء بحرف واحد عن أحد من القرون الثلاثة - التي أثنى عليها النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: " {خير القرون القرن الذي بعثت فيه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم} - يخالف ما ذكرته فأنا أرجع عن ذلك»[5].
المنارة الثالثة: منهج السلف يشمل القول والعمل، العقيدة والسلوك. (شمول المنهج).
ونأخذ مثالا على ذلك، الخاتمة التي ختم بها ابن تيمية العقيدة الواسطية، وهي أحد أهم المتون المختصرة لبيان عقيدة أهل السنة والجماعة، إذ بعدما بيّن العقيدة المنقولة عن السلف في الأصول المختلَف فيها بين أهل القبلة، أكد على أن منهج السلف ليس هذا فقط، وإنما أطال فيه لأنه محل البحث والسؤال وما عليه النزاع بين السلف وأهل الأهواء، فأشار إلى جملة من الأصول المنهجية والعملية الكبرى التي يتسم بها منهج السلف، ومنها:
1. الاجتماع على إقامة الدين، والعناية بجمع الكلمة.
وذلك أن الافتراق المنهجي العقدي -وإن كان الحق فيه واحدا وهو اعتقاد السلف- لا يوجب بالضرورة مفارقةَ الأمةِ ولا مفارقة ولاة أمرها ما داموا على الإسلام، فتقام الجمعة والجماعات معهم والجهاد والحج، ويسعى السلف ومن تبعهم إلى جمع كلمة المسلمين، واجتماع قلوبهم، وإشاعة الأخوة الإيمانية بينهم جميعا ما دام يجمعهم عقد الإيمان. كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو؛ تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر"[6].
وقد قال ابن تيمية في الجلسة الثانية من المناظرة: «ثم قلت: إن الله تعالى أمرنا بالجماعة والائتلاف ونهانا عن الفرقة والاختلاف. وقال لنا في القرآن: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} وقال: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} وقال: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات}».[7]
ومن أعظم آثار الانتباه إلى هذا الأصل، هو اعتبار المصالح والمفاسد في التعامل مع الوقائع والأحداث المتعلقة بالخلاف العقدي والمنهجي، والتعامل مع الاختلاف في النظر إلى الواقع توصيفا وحكما، فإن التعامل مع الوقائع لا ينظر فيه إلى مجرد موافقة الحق في نفسه أو مخالفته، وإنما يضاف إلى ذلك ما يترتب عليه الموقف المتخَذ بعد الحكم بالموافقة أو المخالفة للحق، فإن الأصول والمصالح الشرعية المعتبرة تتداخل، وحسن الفقه في أن يعتني الناظر بكل ما يتعلق بالواقعة من الأحكام والأصول والمصالح، فلا يفوت شيئا لشيء أقل منها، فينبغي ألا ننسى الرحمة بالخلق عند تقرير الحق، ولا وجوب اتباع الحق عند الرحمة بالخلق.
وهذا أصل سلفي عظيم وبيّن، يظهر في تنوع مواقف في السلف عند الحكم على المبتدع والتعامل معه، فربما سكتوا عن مبتدع، وتكلموا في غيره، وربما كفروا قائلا ببدعة ولم يكفروا غيره وإن قال بنفس المقولة، ومبتدع منعوا الرواية عنه، ومبتدع رووا عنه، بل إن ابن تيمية لما مُكِّن من التنكيل ببعض أهل البدع الذين كانوا يكيدون له، وأراد السلطان أن ينتقم منهم لشأن يتعلق بملكه، وقال للشيخ بأنهم آذوك وكتبوا فيك، وأراد قتلهم، «ففهم الشيخ مراد السلطان، فأخذ في تعظيم القضاة والعلماء، وينكر أن ينال أحدا منهم سوء، وقال له: إذا قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم، فقال له: إنهم قد آذوك وأرادوا قتلك مرارا، فقال الشيخ: من آذاني فهو في حل، ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقم منه، وأنا لا أنتصر لنفسي. وما زال به حتى حلم عنهم السلطان وصفح».[8] ولم يدَع ابنُ تيمية بهذا العفوِ حقَ الله ورسوله ولا سكت عن باطل.[9]
2. العناية بأعمال القلوب والجوارح ومحاسن الأخلاق.
فذكّر ابن تيمية في خاتمة الواسطية بأن من هدي السلف تربية النفس على الصبر والشكر والرضى، والتخلق بالأخلاق الحسنة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا"، مع الأمر ببر الوالدين وصلة الأرحام وحسن الجوار... إلى آخره من العبادات والمكارم.
ومن ثم فإن المدافع عن اعتقاد السلف بالسب والشتم والجفاء، والناسي للمروءات عند الاختلاف في النظر والحكم والتعامل، وقاسي القلب الذي لا يعرف من الدين إلا ما اختلف فيه أهل القبلة، ليس في سيره هذا على جادة السلف، بل ولا شم لهم طريقةً ولا فقِه عنهم شيئا، وإنما كان الذي فيه هوى أعجبه أو اتباعا جاهلا لدعيٍّ يتلو آثارا لا تجاوز حنجرته.
فمن رأى هذا في حاله فليتق الله في نفسه، وليعد إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، باحثا عما يزكي نفسه، ويطهر قلبه، ويتزود به من التقوى وحسن القول والعمل.
المنارة الرابعة: التفريق بين التكفير المطلق وتكفير المعين. (الإنكار والنصح لا يقتضي تكفير كل مخالف بالضرورة، ولو قال قولا كفريا).
يفزع بعض الفضلاء من الكلام عن الافتراق العقدي، خشية الوقوع في خطر التكفير، فيظن أن كل حكم على بدعية قول هو قول بإكفار كل قائل به، والحقيقة أن هذا الافتراق قائم، وكل فرقة تعي جيدا أن الحق في هذه الأبواب لابد أن يكون واحدا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين"[10]، فيبقى حينئذ السؤال عن أولى الطوائف بالحق، وأيهم أصاب ما أراد الله منا معرفته واعتقاده مما تضمنه وحيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
ويبقى أمر، وهو هل كل مخالف لهذا الاعتقاد الحق يكفر؟ فالجواب بكل اختصار: لا.
حتى البدع الكفرية، فإن السلف والأئمة لا يطلقون التكفير على كل قائل بها، وإن كفروا نفس المقولة، يقول شيخ الإسلام لما رأى من مناظريه الفزع من تكفير أئمتهم فيما ابتدعوه: «ثم قلت لهم: وليس كل من خالف في شيء من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكا فإن المنازع قد يكون مجتهدا مخطئا يغفر الله خطأه وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته، وإذا كانت ألفاظ الوعيد المتناولة له لا يجب أن يدخل فيها المتأول والقانت وذو الحسنات الماحية والمغفور له وغير ذلك: فهذا أولى، بل موجب هذا الكلام أن من اعتقد ذلك نجا في هذا الاعتقاد ومن اعتقد ضده فقد يكون ناجيا وقد لا يكون ناجيا كما يقال من صمت نجا.»[11]
ويقول شيخ الإسلام رحمه الله في (المسائل الماردينية): "وحقيقة الأمر في ذلك: أن القول قد يكون كفرًا، فيطلق القول بتكفير صاحبه، فيقال: من قال كذا فهو كافر، لكن الشخص المعين الذي قاله لا يحكم بكفره، حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها، وهذا كما في نصوص الوعيد، فإن الله عز وجل يقول: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} [النساء: 10]." وبيّن أنواعا من أسباب عدم نفاذ الوعيد، ثم قال:
"فمن كان من المؤمنين مجتهدًا في طلب الحق وأخطأ، فإن الله عز وجل يغفر له خطأه كائنًا ما كان، سواء كان في المسائل النظرية أو العملية، هذا الذي عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجماهير أئمة الإسلام، وما قسموا المسائل إلى مسائل أصول يكفر بإنكارها، ومسائل فروع لا يكفر بإنكارها، فأما التفريق بين نوع، وتسميته مسائل الفروع، فهذا الفرق ليس له أصل، لا عن الصحابة ولا عن التابعين لهم بإحسان، ولا عن أئمة الإسلام".[12]
وهذا التوقف عن تكفير المعين ليس سكوتا عن بيان الحق، ولا غمغمة عند وجوب الوضوح والإفصاح، وإنما هو أمر خاص بما يترتب على مخالفة المخالف للحق، أما مجرد بيان الحق من الباطل فهذا من الدين الذي تأثم الأمة إذا تركته، ويلزم اعتقاده كل من بلغه بدليله. ولا يلزم مسلماً أن يحكم على كل معينٍ أصاب أو أخطأ، فاعتقاد السلف الواجب الاجتماع عليه: دين منقول ثابت، وأصول علمية ظاهرة، وليس منهجُ السلفِ نزاعا حول الأسماء والوقائع والأحداث، فهذه يدخلها الاجتهاد ويكون حكم الكلام فيها بحسب الحال والمقام، فثم من يحرم عليه الكلام فيها وثم من يجب، ومن وجبت عليه فلن يكون حكمه قولا يجب المصير إليه على كل مسلم.
ختاما، دينك رأس مالك، والله سائلك عما تقول وتفعل، وكلما كان قدر الكلمة أعظم في دين الله كان عبئ التروي عليك أكبر، وكلما كان أثر الكلمة أعظم في حق الأمة ودينها ودمائها وأمنها كان اتهام الرأي أخطر، كما قال سهل بن حنيف رضي الله تعالى عنه: "يا أيها الناس، اتهموا رأيكم على دينكم، لقد رأيتني يوم أبي جندل، ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه لرددته"[13].
"اللهم رب جبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك؛ إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم"[14].
[9] وقد أشار ابن كثير بعد ذكر هذه القصة إلى أن ابن تيمية بعد تمكين السلطان له قد اشترط على أهل البدع شروطا ألزمهم العمل بها، وبهذا يفهم الاعتدال في الموقف من المخالف الذي كان عليه السلف والأئمة، فلا تفريط في الحق لمداراة الناس، ولا غفلة عن الرحمة بالناس واعتبار المصالح الشرعية العامة المترتبة على إنكار المنكر وطريقته.
هي نشرات بريدية ترسل أسبوعيًا على مشتركيها ومحتوى هذه النشرة تعظيم أثر طلاب العلم، يشارك في كتابة محتواها كُتّاب مميزون، مهتمون بمجالات تعظيم أثر طلاب العلم.
التعليقات