كيف تقرأ «كتب» أو «كتاب»؟!
بلا تشكيل وسياق، فالأمر إلىَّ وإليك. فعل معلوم؟ ممكن، أو مجهول؟ ممكن، أو جمع لكلمة «كاتِب»؟ كذلك ممكن.
حتى إذا جاء السياق أزال - غالبا - الغموضَ، وساعد الذهن على التحديد. (اجتمع كبار الكتاب في تأبين الشاعر فلان). والأمر واضح.
ولكن هل دائما السياق ترياق خاصة مع المبتدئ الذي لا يعرف كثيرا من الكلمات المحيطة ولم تَثْبُت في ذهنه دلالات الأوزان؟!
المعلمون مذاهب. فريق يرى أن النص ينبغي أن يكون مشكولًا كله؛ ويقضي الطالب في ذلك مدة تُثبِّت لديه الارتباط بين الحركات ودلالتها على الأوزان والمواقع النحوية. وفريق يخشى أن يتعلق الطالب بالحركات، فلا يستطيع بعد ذلك قراءة صحيفة أو كتاب أو رسالة عادية.
فهل التشكيل عونٌ أم عائق؟ لعل الإجابة الحاضرة هي أن الأحسن الب دء بتشكيل يكشف النطق، ثم نتخفف منه بالتدريج مع زيادة قدرة المتعلم على الاستفادة من قرائن المفردات والصرف والنحو والسياق.
وعلى هذا، فالتشكيل سَنَّادة مؤقتة.
وفكرة التدرج هذه فكرة وجيهة إذ التشكيل لا يؤدي وظيفة واحدة
فالحركات داخل الكلمة قد تميز بين معانٍ مختلفة: عَلِمَ – عِلْم – عَلَم
والشدة قد تغير بنية الكلمة: دَرَسَ – دَرَّسَ، والحركات قد تميز بين المبني للمعلوم والمبني للمجهول:
كَتَبَ – كُتِبَ، أما الحركة الأخيرة فقد تبين وظيفة الكلمة في الجملة: الطَّالِبُ – الطَّالِبَ – الطَّالِبِ
واحتياج المبتدئ إلى هذه العلامات ليس متساويًا. فقد يحتاج إلى الشدة والحركات الداخلية حتى يتعرف على الكلمة، في حين لا يكون نطق حركة الإعراب في آخر كل كلمة هدف الدرس أصلًا.
ولهذا لا ينبغي أن يكون قرارنا محصورًا بين خيارين:
هناك مساحة واسعة بينهما قد تُسَمَّى: التشكيل الوظيفي المتدرج.
ومهما يكن، فقد تتفق أو تختلف نتائج بعض الدراسات العلمية مع ما سبق،
ومن أقوى الدراسات المتصلة بسؤالنا مباشرةً دراسةٌ شارك فيها أربعة وخمسون متعلمًا ناطقًا بالإنجليزية، وقد وزعوا على المستويات المبتدئ والمتوسط والمتقدم. وكان الهدف من الدراسة قياس أثر التشكيل على: سرعة القراءة، ودقة القراءة، وفهم المقروء. وقد روعي في اختيار الطلاب أن يكونوا متساويين أو متقاربين جدا في معرفتهم السابقة باللغة العربية.
ثم تعلم نصف الطلاب العربية من سلسلة تحتوي على التشكيل (سلسلة أهلا وسهلا)، وتعلمها النصف الباقي من كتب تتخفف من التشكيل مبكرا (الكتاب في تعلم العربية). بعد الدراسة طُولب المشاركون بقراءة قوائم كلمات ونصوص في حالتين: مرةً بالتشكيل، ومرةً بدونه.
أظهرت النتائج أن الذين اعتادوا المواد المشكولة أدوا أداءً أفضل من نظرائهم على المستويات الثلاثة (المبتدئ والمتوسط والمتقدم). فكانوا أسرع في قراءة الكلمات المنفردة، وأكثر دقةً في قراءة الكلمات المستهدفة داخل النصوص، وأفضل في فهم معانيها. وكان المبتدئون والمتوسطون منهم أسرع أيضًا في قراءة النصوص.
لكن النتيجة الأهم جاءت حين حُذفت الحركات.
لم ينخفض أداء الذين تعلموا من الكتب المشكولة، بل احتفظوا بتفوقهم حتى في القراءة من غير تشكيل (Al Midhwah & Alhawary, 2020).
وهذه النتيجة تُضعِف الحجة السريعة التي ترى أن التشكيل الظاهر أثناء التعلم يجعل الطالب عاجزًا عن القراءة من غيرها. فكأن النتيجة تكشف لنا أن الطلاب الذين اعتادوا التشكيل لم يتعلموا قراءة النص المشكول وحده؛ بل يبدو أنهم كوّنوا تمثيلًا أدق لأصوات الكلمات، واستفادوا منه حين اختفت العلامات أيضًا.
ثم ماذا؟ يبقى أن الدراسة لا تحسم القضية كلها. فعدد المشاركين أربعة وخمسون فقط، وكلهم ناطقون بالإنجليزية.
ومع ذلك، فهي تقدم لنا دليلًا مهمًّا: الخوف من الحركات ليس سببا كافيا لحذفها من المواد التعليمية.
ولا شك أننا نحتاج إلى دراسات أخرى لتؤكد أو تصحح أو تناقض هذه النتائج.
قراءة الكلمة ليست فهم النص
لنفرض أن طالبًا قرأ الجملة الآتية قراءة سليمة:
عادَ الْمُوَظَّفُ إِلَى مَكْتَبِهِ بَعْدَ الاِجْتِماعِ.
نطق الحركات كلها، ووقف في الموضع المناسب، ولم يخطئ في صوت واحد.
ثم سألناه: أين كان الموظف؟ وماذا حدث قبل عودته؟
فلم يفهم.
وفي المقابل، قد يفهم طالب آخر أن الموظف عاد إلى مكتبه بعد الاجتماع، لكنه يسكن آخر كلمة، أو يخطئ في حركة إعراب.
أي الطالبين قرأ بصورة أفضل؟
الإجابة تتوقف على الشيء الذي نقيسه: النطق الصحيح؟ التعرف على الكلمات؟ فهم المعنى؟ وهذه أمور مترابطة، لكنها ليست شيئًا واحدًا.
في دراسة شملت خمسةً وستين قارئًا راشدًا من الناطقين بالعربية، حسّنت الحركات دقة القراءة، وكان فهم النص العربي المشكول أفضل من فهم النص غير المشكول. ومع ذلك ، لم تظهر علاقة إيجابية دالة بين دقة القراءة الجهرية والفهم (Abu-Rabia, 2001).
وهذا لا يعني أن النطق غير مهم. بل يعني أن الطالب قد يستهلك انتباهه في إخراج كل حركة، من غير أن يفهم معنى النص. وقد يفهم معنىً عامًا اعتمادًا على الكلمات والسياق، مع بقاء أخطاء في النطق.
فلعل الأحسن إذا أن ننوع الأنشطة والأهداف:
فإذا كان الهدف النطق، اعتنينا بالقراءة الدقيقة. وإذا كان الهدف فهم المقروء، فلا نجعل نجاح الطالب متوقفًا على دقة النطق. والأفضل أن نجمع بين الهدفين، لكن من غير أن نتوهم أنهما هدف واحد.
لماذا لا نشكل كل شيء دائمًا؟ (دراسة أخرى ونتائج جديدة)
إذا كانت الحركات نافعة، فلماذا لا نتركها في كل المواد إلى آخر مستوى؟
لأن القارئ لا يبقى مبتدئًا، ولأن أكثر ما سيقرأه خارج الكتاب لن يكون مشكولًا.
ومع ازدياد خبرته، يبدأ في التعرف على الكلمات من شكلها العام، ويستفيد من الجذر والوزن والتركيب والمعنى المتوقع. وقد تتحول الحركات الزائدة في الكلمات المألوفة من معلومات يحتاج إليها إلى تفاصيل بصرية لا يلتفت إليها، وربما تبطئه.
في دراسة شارك فيها خمسة وسبعون طالبًا من الصف الثامن، وجميعهم من القراء الجيدين الناطقين بالعربية، قرأ المشاركون كلمات مشكولة، وكلمات غير مشكولة، وكلمات مصنوعة لا معنى لها.
كانت الكلمات غير المشكولة أسرع وأدق في القراءة من الكلمات المشكولة، وكانت الكلمات المصنوعة هي الأصعب. وكانت هذه النتيجة مخالفةً لعدد من الدراسات السابقة التي وجدت فائدة للحركات.
وأشار الباحث إلى أن المشاركين صاروا معتادين على النص غير المشكول، ولم يتعاملوا منذ سنوات مع التشكيل الكامل؛ ولذلك ربما قرؤوا الكلمات المألوفة من صورتها الكلية، بينما أجبرهم التشكيل على معالجة علامات لم يعودوا يحتاجون إليها (Ibrahim, 2013).
هذه الدراسة لا تقول إن حذف التشكيل أنفع للمبتدئ الأجنبي. فالمشاركون قراء عرب مهرة، والمهمة كانت قراءة كلمات منفردة بسرعة، لا تعلم مفردات جديدة ولا فهم نص طويل.
لكنها تنبهنا إلى أن فائدة التشكيل تتغير بتغير القارئ والمهمة.
ما يعين المبتدئ اليوم قد يصبح زائدًا بعد أن يعرف الكلمة جيدًا. وما يساعد في النطق الجهري قد لا يساعد بالطريقة نفسها في القراءة الصامتة السريعة.
من التشكيل الكامل إلى التشكيل الانتقائي
في دراسة أخرى، قرأ ثمانية وأربعون متعلمًا ناطقًا بالإنجليزية أفعالًا عربيةً في صيغة المعلوم والمجهول. وعُرضت أفعال بالتشكيل الكامل، وبتشكيل جزئي، ومن غير تشكيل، كما ظهرت أحيانًا في سياق وأحيانًا منفردة.
حسّن التشكيل سرعة القراءة ودقتها وفهمها لدى مجموعات الكفاءة المختلفة، وظهر للتشكيل الجزئي نفع واضح، ولا سيما في دقة القراءة وفهم المعنى. أما السياق فحَسَّنَ الفهمَ، لكنه لم يحسن سرعة القراءة ودقتها بالطريقة نفسها (Aljohani, 2022).
وينبغي ألا نحمل النتيجة أكثر مما تحتمل؛ فالدراسة رسالة دكتوراه، وعدد المشاركين محدود، والمَهَمَّة اقتصرت على مجموعة مخصوصة من الأفعال.
لكنها تُقوِي فكرة التدرج. فليس الانتقال بالضرورة قفزةً من نص مشكول كله إلى نص خالٍ من الحركات. يمكن أن نمر بمرحلة وسيطة نضع فيها الحركة حيث تؤدي وظيفة، ونحذفها حيث يستطيع المتعلم الاستغناء عنها.
وما الذي لا تقوله الدراسات؟
لا تقدم الدراسات زمنا موحدًا نحذف فيه التشكيل من كتب العربية.
ولا تقول إن كل مبتدئ يحتاج إلى المقدار نفسه. فالناطق بالفارسية أو الأردية، مثلًا، قد تكون له خبرة سابقة بالخط العربي لا يملكها الناطق بلغة تستعمل الحروف اللاتينية. وقد يعرف أحد المتعلمين العربية سماعًا، لكنه لا يقرأها، بينما يبدأ آخر تعلم الصوت والخط والمفردات معًا.
ولا تثبت الدراسات أن تشكيل النص كله هو الأفضل في كل نشاط. فالتشكيل الذي يفيد عند تعلم كلمة جديدة قد يكون زائدًا عند قراءة كلمة تكررت عشرين مرة.
كما أنها لا تثبت أن التعرض للنص المشكول وحده يكفي لإعداد المتعلم لقراءة الصحف والرسائل والمواقع. فلا بد أن يتدرب فعلًا على النص غير المشكول.
والأقرب إلى الصواب أن نقول:
يحتاج المبتدئ إلى تشكيل أكثر عند تعلم أصوات الحروف والكلمات الجديدة.
ينبغي إبقاء الحركات التي تمنع التباسًا حقيقيًّا.
يمكن تخفيف الحركات عن الكلمات المألوفة قبل الكلمات الجديدة.
ينبغي أن يرى المتعلم النص نفسه أحيانًا في نسخة مشكولة وأخرى غير مشكولة.
لا يكتمل الانتقال إلا إذا تدرب على استعمال المفردات والصرف والسياق لتعويض ما حُذف.
ولنسأل دائما:
أي حركات يحتاج إليها هذا المتعلم لأداء هذه المهمة في هذه المرحلة؟
ولنتفكر أثناء إعداد النص:
ما هدف النشاط: تعلم الصوت، أم التعرف على الكلمات، أم فهم المعنى؟
ما الكلمات الجديدة التي لا يملك الطالب لها صورة صوتية؟
أين يقع التباس حقيقي بين قراءتين؟
ما الكلمات التي تكررت حتى صار شكلها مألوفًا؟
ما المعلومات التي يستطيع الطالب استنتاجها من الجملة؟
ما مقدار النص غير المشكول الذي سبق له التدرب عليه؟
ما الخطوة التالية التي ستخفف بها المساعدة؟
بهذه الأسئلة يصبح التشكيل قرارًا تعليميًّا، لا عادةً طباعية.
جرّب هذا في عشر دقائق
يمكن تطبيق الفكرة باستعمال درس الفتحة من دورة أنا أقرأ ببساطة. فالسلسلة تقدم الكلمات بالتشكيل الكامل للمبتدئين، لكن للمعلم أن يتخذ منها تدريبًا متدرجًا على إزالة الحركات (مع المتعلمين الكبار).

رابط الكُتيب المصاحب للسلسلة
اختر أربع كلمات يعرفها المتعلم من الدرس، ثم اتبع الخطوات الآتية:
استمع وانظر.
يشاهد المتعلم الكلمات بالتشكيل ويسمع نطقها، ثم يقرأها بصوت مرتفع.
اصنع سُلّمًا للحركات.
اكتب الكلمة في ثلاث صور، مثل:
كَتَبَ ← كَتَب ← كتب
لا تطلب منه قراءة الصورة الأخيرة فورًا. دعه يلاحظ أولًا المعلومات التي اختفت في كل خطوة.
ضع الكلمة في سياق.
اعرض الجمل الآتية:
كَتَبَ سامِرٌ رِسالَةً.
اِشْتَرَى سامِرٌ كُتُبًا.
كُتِبَ الاِسْمُ هُنا.
ثم ناقش ما الذي ساعد على اختيار القراءة المناسبة في كل جملة.
انتقل إلى التشكيل الجزئي.
كَتَبَ سامر رسالة.
اشترى سامر كُتُبًا.
كُتِبَ الاسم هنا.
هنا بقيت الحركات على الكلمة المستهدفة، واختفت عن الكلمات المألوفة.
أخفِ الحركات كلها.
كتب سامر رسالة.
اشترى سامر كتبا.
كتب الاسم هنا.
يقرأ المتعلم الجمل مستعينًا بما يعرفه عن المعنى والتركيب، ثم يقارن قراءته بالنسخة الأولى.
اختبر الانتقال.
قدم جملة جديدة غير مشكولة تحتوي على إحدى الكلمات، ثم اطلب منه تسجيلها بصوته. بعد التسجيل، يكشف النسخة المشكولة ويصحح نفسه.
وبهذا التدريج يظهر الفرق بين إزالة المساعدة وبين تمرين الطالب على الاستقلال بنفسه.
الخلاصة
التشكيل قد يكون عكازًا حين نترك المتعلم متعلقًا به، أو طريقًا حين نعلمه كيف يتجاوزه.
مادة هذا الأسبوع: درس الفتحة وما يليه في دورة أنا أقرأ ببساطة.
في أي مرحلة تبدأ بتخفيف التشكيل مع طلابك؟ وما العلامة التي تخبرك بأنهم مستعدون للخطوة التالية؟
انتظرونا في الرسالة القادمة،
فريق العربية ببساطة
المراجع
Abu-Rabia, S. (2001). The role of vowels in reading Semitic scripts: Data from Arabic and Hebrew. Reading and Writing, 14, 39–59. https://doi.org/10.1023/A:1008147606320
Aljohani, Y. (2022). The effects of context, voice, and vowelization on the word recognition speed, accuracy, and comprehension of L2 Arabic readers at different proficiency levels [Doctoral dissertation, York University]. YorkSpace. https://yorkspace.library.yorku.ca/items/2cd22bf9-31ac-4cde-9c69-b190108a08f2
Al Midhwah, A. A., & Alhawary, M. T. (2020). Arabic diacritics and their role in facilitating reading speed, accuracy, and comprehension by English L2 learners of Arabic. The Modern Language Journal, 104(2), 418–438. https://doi.org/10.1111/modl.12642
Ibrahim, R. (2013). Reading in Arabic: New evidence for the role of vowel signs. Creative Education, 4(4), 248–253. https://doi.org/10.4236/ce.2013.44036
التعليقات