متى تكفي الصورة في شرح المفردات، ومتى تمنحنا وهم الفهم؟ ومتى تنوب عن الترجمة؟ أو هل حقا تنوب عنها؟!
وما زلنا في قضية استعمال مادة تعليمية للأطفال لكن مع طالب أجبني راشد، لكن لنبدأ باختبار يهيئكم للمقالة. وأرجو ألّا يكون القارئ عارفا باللغة الصينية لئلا تفسد التجربة 🤲 إليكم صورة وكلمة:
Person waiting at bus stop with phone in flat art style 60401891 Vector Art at Vecteezy
他在等待
الآن احزروا المعنى... هل تعني الكلمة (تقف / تننظر / محطة / جدول المواعيد)؟ 😳
الإجابة: الله أعلم! العهدة على جوجل!
ولنفرض الآن أننا عرضنا لطالب اللغة العربية صورةً شبيهة لرجلٍ يقف في محطة، وينظر إلى الطريق، وفي يده حقيبة. ثم ظهرت تحت الصورة كلمة:
يَنْتَظِرُ
ثم نظر الطالب إلى الصورة والكلمة، وقال: «آه، فهمت!»
فالسؤال .. ماذا فهم بالضبط؟ هل فهم أن الرجل بالفعل ينتظر؟ ربما. لكن قد يكون ربط الكلمة بالرجل أو بالحقيبة أو بالسفر أو بالوقوف!
ثم قد نسأله في اليوم التالي: "ماذا تفعل يا فلان إذا وصلتَ إلى المحطة قبل الحافلة؟"
فلا يتذكر كلمة «يَنْتَظِرُ».
هل أخفقت استراتيجية الصورة الشار؟ ليس بالضرورة. لكننا كأننا خلطنا بين ثلاثة أمور:
فهم الطالب للمشهد،
والتعرف على الكلمة حين يراها مع الصورة،
واستدعائها واستعمالها في التعبير والوصف.
وهذه ليست شيئًا واحدًا. قد تساعد الصورة على الفهم والتعرَّف لكن هل تضمن الاستدعاء والاستعمال؟!
دراسة علمية
في دراسة معروفة، قرأ 103 طلاب جامعيين يتعلمون الألمانية قصةً على الحاسوب. وكان في استطاعتهم أن يطلعوا أثناء دراسة الكلمات على ترجمة إنجليزية، أو صورة (ثابتة أو متحركة)، أو النوعين معًا (الترجمة والصورة). وخلصت الدراسة إلى أن تذكر معاني الكلمات كان أفضل عندما رجع الطلاب إلى الترجمة والصور معًا، بلا أن يقتصروا على طريقة واحدة (Plass et al., 1998).
فكأن الترجمة حددت المعنى المقصود، ثم الصورة منحته شكلًا محسوسًا يسهل استدعاؤه بعد ذلك.
فإذا تعلم الطالب كلمة مِظَلَّة ومعها اللفظ العربي وترجمة قصيرةوصورة شخص يحمل مظلة تحت المطر، لم تبق الكلمة حروفًا مجردة. بل صار لها صوت منطوق، وشكل مكتوب، ومعنى لفظي، ومشهد يمكن تذكره.
لكن الصورة قد تخدعنا (دراسة أخرى)
يحمل عنوان دراسة أخرى قدرًا من الطرافة: «هل الصور مفيدة في تعلم مفردات اللغة الأجنبية؟ نعم، بشرط ألا تظن أنها مفيدة أكثر مما ينبغي».
في سلسلة من التجارب، تعلم المشاركون كلمات سواحيلية جديدة، بعضها قُدِّم مع صور، وبعضها مع ترجماته الإنجليزية. ولم تتفوق الصور تلقائيًّا على الترجمات.
كانت المشكلة أن المشاركين شعروا بثقة أكبر حين رأوا الصور. بدت المادة سهلة، فظنوا أنهم تعلموها. ولكن سهولة النظر إلى الصورة لم تتحول دائمًا إلى قدرة على استدعاء الكلمة السواحيلية.
وحين قلّل الباحثان هذه الثقة الزائدة، إما بتدريب المشاركين على استرجاع الكلمات، وإما بتنبيههم إلى ألا يطمئنوا إلى الصور سريعًا، ظهرت فائدة الصور بصورة أوضح (Carpenter & Olson, 2012).
وهذه ملاحظة مهمة للمعلم وللمتعلم الذاتي.
حين ننظر إلى صورة قطة وتحتها كلمة قِطَّة، نشعر أن الأمر قد انتهى. لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تختفي الصورة:
هل تستطيع قراءة الكلمة؟ هل تتذكر معناها؟
هل تستطيع أن تقول: عِنْدِي قِطَّةٌ؟ هل تميز بين قِطَّة وقِطَط؟
هل تفهم الكلمة إذا وردت في جملة بسيطة ولم تظهر معها صورة؟
إذا لم نجرب شيئًا من ذلك، فقد نكون قد اختبرنا وضوح الصورة، لا تعلم الكلمة!
الصورة تقول أشياء كثيرة
المشكلة الأخرى أن الصورة الواحدة قد تفتح معاني كثيرة، في حين نريد منها أن تدل على كلمة واحدة. صورة طائر فوق شجرة قد تدل على:
فأي كلمة منها تشرحها الصورة؟ السياق أو التعليق اللفظي هو الذي يجيب.
وتزداد المشكلة حين ننتقل من الأشياء المحسوسة إلى الأفعال والصفات والمعاني المجردة. يسهل نسبيًّا أن نرسم تفاحة، لكن كيف نرسم قديمًا من غير أن يظن المتعلم أن المقصود هو: مكسور، أو متسخ، أو رخيص؟
وكيف نرسم يَحْتَرِمُ أو يَقْتَرِحُ أو يَعْتَمِدُ عَلَى في صورة واحدة؟
حتى الأفعال السهلة قد تحتمل صورها أكثر من تفسير. صورة رجل أمام باب قد تعني:
يَفْتَحُ الْبَابَ، أو أَغْلَقَ الْبَابَ، أو الْبَابُ مَفْتُوحٌ، أو ببساطة: بَاب.
والصورة لا تخبرنا وحدها أهذا فعل أم اسم، وماض أم مضارع، ولا تخبرنا بالطريقة التي تدخل بها الكلمة في الجملة.
وفي دراسة ثالثة ...
امتدت خمسة عشر أسبوعًا، تعلمت 49 طالبة جامعية يابانية مئة كلمة إنجليزية، بعضها عن طريق كلمات يابانية مكتوبة، وبعضها عن طريق رسوم مبسطة. كان استدعاء الكلمات المقدمة بالصور أعلى إجمالًا، ولا سيما الكلمات المحسوسة أو ذات الأثر العاطفي 🎭.
ومع ذلك، كان الاعتراض الأكبر عند الطالبات أن بعض الرسوم سهل التذكر، لكنه صعب الفهم. وظهرت المشكلة بوضوح مع الكلمات المجردة، ومع الصور التي احتملت أوجها قريبة في تفسيرها (Bates & Son, 2020). إذن، قد نتذكر الرسم وننسى علامَ كانت تدل!
هذا ما كان في الدراسات، أما ما ليس فيها فمفيد أيضا:
لا تقول الدراسات السابقة إن الصور أفضل دائمًا من الترجمة، ولا إن الترجمة ينبغي أن تختفي من درس المبتدئ. ولا تقول إن الطالب الذي تعرف على الكلمة في تمرين ما يستطيع استعمالها في الكلام.
كما أن الدراسات المذكورة لم تُجرَ على متعلمي العربية تحديدًا. وبعضها استعمل كلمات سواحيلية منفصلة أو لغة مخترعة للتجربة، وبعضها أُجري على فئات جامعية محدودة. ولذلك فالهدف هو الاسترشاد بها في حدود فهم مبادئ الذاكرة والتعلم.
ولعل الأقرب أن نقول:
تفيد الصورة أكثر مع الأشياء والأفعال التي لا تحتمل صورها أوجها متساوية في التفسير، وتكون أقوى كذلك حين يصاحبها لفظ مكتوب أو مسموع يحدد معناها.
لا تكفي المشاهدة؛ فلا بد من محاولة الاسترجاع. ولنختبر الطلاب دائما بإخفاء الصورة ومطالبتهم باستدعاء الكلمة (في وصف صورة أخرى شبيهة مثلا).
أما المعاني المجردة فإن الصورة لا تغني عن السياق أو شرح إضافي.
جرّب هذا في عشر دقائق
يمكن تطبيق الفكرة باستعمال أحد المقاطع القصيرة من دورة أنا أقرأ ببساطة (15 فيديو). فالدورة تقدم كلمات بسيطة من الحياة اليومية مصحوبة بالصور والنطق والتشكيل مع شريط نصوص بالترجمة حال الاحتياج. وهذا نموذج:
اختر فيديو من سلسلة الدروس، ثم اتبع الخطوات الآتية:
شاهد الصورة والكلمة معًا: دع المتعلم يسمع الكلمة ويرى شكلها، ولا تطلب منه حفظ قائمة طويلة.
تحقق من المقصود: اسأله عما يراه في الصورة. إذا ذكر عدة معانٍ ممكنة، فهذه ليست إجابة خاطئة، بل دليل على أن الصورة تحتاج إلى تحديد.
أضف مقابلًا أو سياقًا قصيرًا: فإذا كانت الكلمة بَاب، اعرض معها نَافِذَة. وإذا كانت كَبِير، فقارن بين شيئين كبير وصغير. وإذا كانت يَجْلِسُ، فقابلها بـ يَقِفُ.
اختبر التعرف والاستدعاء: انطق الكلمة، واطلب من المتعلم اختيار الصورة المناسبة من بين صورتين أو ثلاث. ثم أخفِ الكلمة، واعرض الصورة. وبعد ذلك أخفِ الصورة أيضًا، وقدم جملة ناقصة، مثل: (أَفْتَحُ الـ… ) فإذا قال المتعلم بَاب، فقد بدأ ينتقل من التعرف إلى الاستعمال.
انقل الكلمة إلى حياته: اطلب منه جملة قصيرة أو تسجيلًا صوتيًّا: فِي بَيْتِي بَابٌ كَبِيرٌ. أو اطلب منه أن يصور شيئًا من بيته ويسميه بالعربية.
بهذه الطريقة نستخدم الصورة في ثلاث وظائف مختلفة:
توضيح المعنى، وتثبيت الكلمة في الذاكرة، دفع المتعلم إلى استدعائها، لكن لا نتوقف عند ابتسامة الطالب وقوله: «آه، فهمت».
الخلاصة
الصورة من أنفع ما في مواد الأطفال للمبتدئ الراشد. فهي تختصر الشَّرح، وتلفت الانتباه، وتساعد الذاكرة، وتجعل الصفحة أقل جفافًا. ولا ينبغي أن نحتار ونتردد بين فائدة الصورة أو الكلمة. بل لعل الأفضل أن نجمع بين: الصورة، واللفظ، والسياق، والاسترجاع. فإذا اختفت الصورة وبقيت الكلمة، فقد أدت الصورة مهمتها.
Carpenter, S. K., & Olson, K. M. (2012). Are pictures good for learning new vocabulary in a foreign language? Only if you think they are not. Journal of Experimental Psychology: Learning, Memory, and Cognition, 38(1), 92–101. https://doi.org/10.1037/a0024828
Plass, J. L., Chun, D. M., Mayer, R. E., & Leutner, D. (1998). Supporting visual and verbal learning preferences in a second-language multimedia learning environment. Journal of Educational Psychology, 90(1), 25–36. https://doi.org/10.1037/0022-0663.90.1.25
التعليقات