سؤال قبل القراءة: فكروا في الأسباب التي تجعل الكبير المبتدئ يستفيد من مواد تعليمية تستهدف الأطفال؟
لنتخيل هذا المشهد:
طالب جامعي بدأ تعلم العربية منذ أيام .. ثم وَجَدَ صفحةً فيها صورة كبيرة لحرف الباء، وبجواره صورة بطّة. قد تساعده الصورة فعلًا على ربط الحرف بالصوت والشكل، وقد تبقى في ذاكرته أكثر من أي شرح طويل.
فإذا أردتَ أن تفسد عليه الاستفادة فلتطلب إليه أن يلوّن البطّة 🦆🙃 ثم صفق له لأنه أكمل المهمة!!! مبروك .. تم التدمير!
المشكلة هنا ليست في الباء الكبيرة، ولا في البطّة المحببة، ولا حتى في أن المادة صُنِعت أصلًا لطفل. بل المشكلة في الطريقة التي نخاطب بها المتعلم الراشد!
والحقيقة أن مواد الأطفال قد تشتمل على أشياء يحتاج إليها المبتدئ الكبير بشدة: الحرف الكبير، والصورة الواضحة، والنطق البطيء، والجملة القصيرة، والتكرار المُلح الذي لا يعرف الخجل!
وقد نجد فيها كذلك رسومًا طريفة، وألوانًا مريحة، وقصة يسهل تتبعها من غير الحاجة إلى قاموس في كل سطر.
لكنها قد تشتمل أيضًا على موضوعات لا تعني الراشد، وأصوات مبالغ فيها، وتعليمات تفترض أن المتعلم طفل، وأنشطة لا تتجاوز التلوين والمطابقة والترديد.
فهل نستخدم هذه المواد أم نتركها؟
الإجابة القصيرة: نأخذ منها وضوحها، ولا ننقل منها طريقة معاملة الطفل.
دِراسة علمية مفيدة
في دراسة قارنت أربعين طفلًا وأربعين راشدًا يتعلمون لغة مخترعة لأغراض التجربة، تلقى بعض المشاركين تدريبًا صريحًا، وتلقى آخرون تدريبًا ضمنيًّا. وأظهرت النتائج أن نوع التعليم أثّر في وعي الأطفال والراشدين ببنية اللغة بطريقة متشابهة، وأن الفروق التي ننسبها عادةً إلى العمر قد تتأثر أيضًا بطريقة تقديم المادة (Lichtman, 2016).
لا تدعي الدراسة أن الراشد طفل كبير ولا أنها اختبرت مواد الأطفال أو تعليم العربية. لكنها تنبهنا إلى أمر مهم: لا يكفي أن ننظر إلى عمر المتعلم ثم نقرر رأسًا شكل المادة التي تصلح له! فطريقة تقديم المادة، ونوع النشاط، ومقدار الشرح؛ أمور تؤثر في استفادته منها.
وقد يكون الراشد مبتدئًا في قراءة حرف الباء، لكنه ليس مبتدئًا في التفكير أو اتخاذ القرار أو فهم العلاقات الإنسانية. وربما كان طبيبًا أو مهندسًا أو باحثًا يستطيع مناقشة قضية معقدة بلغته الأولى، لكنه لا يستطيع بعد قراءة كلمة «باب».
ولا ينبغي الخلط بين بساطة اللغة و طفولة الفكرة.
دراسات أخرى: الراشد حين قرأ كتبًا مصورة؟
درست لي هسيانغ-ني تجربة تسعة وثلاثين طالبًا جامعيًّا تايوانيًّا يدرسون الإنجليزية، بعد أن استعملوا كتب أطفال مصورة وأنشطة قراءة متنوعة خلال فصل دراسي. وأفاد الطلاب في نهاية التجربة بأنهم استمتعوا بالكتب، وشعروا بتحسن في الثقة والدافعية (Lee, 2015).
وهذه نتيجة مشجعة، لكنها ليست حكمًا نهائيًّا؛ لأنها تعتمد بدرجة كبيرة على آراء الطلاب بعد التجربة، ولا تثبت وحدها مقدار ما تعلموه.
وفي دراسة أخرى، استُعمل كتاب مصور مع خمسة وعشرين طالبًا جامعيًّا يتعلمون الإنجليزية. لم يكتف الطلاب بقراءة القصة، بل تنبؤوا بأحداثها، وقارنوا توقعاتهم بما حدث، وناقشوا الصور، وتعاونوا في بناء المعنى. وأظهرت النتائج تفاعلًا لغويًّا ومعرفيًّا واجتماعيًّا، مع مساحة للتفكير والمتعة بدلًا من اقتصار الدرس على فك الكلمات (Sun, 2015).
أما الدراسة الأكثر دلالة، فقد قارنت بين ثلاث طرائق لتعليم ثمانين طالبًا جامعيًّا:
قراءة الكتاب المصور فقط.
قراءة الكتاب مع شرح المفردات.
قراءة الكتاب مع أنشطة إنتاجية تعاونية.
كان شرح المفردات أنفع في الاختبار الذي جاء بعد الدرس مباشرة، لكن الأنشطة التعاونية كانت أنفع بعد شهر في الاحتفاظ بالكلمات واستعمالها إنتاجيًّا (Sun, 2017).
إذن، لم تأتِ القيمة كلها من كون الكتاب مصورًا. جاء جانب مهم منها مما فعله الراشدون بالكتاب: ناقشوا، وتوقعوا، وأنتجوا، وتعاونوا.
وهذه هي الفكرة الأساسية:
قد نأخذ النص من مادة الطفل، لكننا نصنع المهمة للراشد.
الصورة ليست ضمانًا
لكن قد لا تساعد الرسوم دائمًا.
في تجربة على متعلمي الإنجليزية من الراشدين، استفاد المتعلمون الأقل كفاءة من الشرائط المصورة حين صاحبت نصًّا أصعب ، بينما لم يتحسن أداء المجموعة الأعلى بالطريقة نفسها (Liu, 2004).
وقد تُشَتِّتُ الصورةُ المتعلمَ إذا كانت للزينة فقط، أو إذا عَرَضَتْ السَّيْرَ العام للقصة وأغفلت التفاصيل المهمة في النص. ولذلك لا نختار مادة الأطفال لمجرد أنها ملونة أو طريفة!
ولنسأل أنفسنا قبل استعمال مادة أطفال مع الطالب الراشد،:
هل تساعد الصورة فعلًا على فهم كلمة أو حدث أو علاقة؟
هل النطق واضح وطبيعي، أم بطيء إلى حد التشويه؟
هل الموضوع مقبول للراشد، حتى لو كان عرضه بسيطًا؟
هل أستطيع تحويل النشاط إلى اختيار أو مقارنة أو حل مشكلة أو تبادل معلومات؟
هل أستطيع أن أوضح للمتعلم سبب استعمال هذه المادة من غير حرج؟
إذا كانت الإجابات مطمئنة، فقد تكون المادة صالحة، مهما كان عمر جمهورها الأصلي.
جرب هذا في عشر دقائق
يمكنك تطبيق الفكرة باستعمال فيديو حرف الباء من دورة حروف الهجاء العربية في موقع «العربية ببساطة».
المادة في أصلها موجهة إلى الأطفال، لكن يمكن تطويعها للراشد هكذا:
يشاهد المتعلم جزء الحرف وصوته وطريقة كتابته.
يبحث عن الباء في كلمات من حياة الكبير، مثل: بريد، بنك، كبير، مكتب، كتاب.
يصنف الكلمات بحسب موقع الباء: في أول الكلمة، أو وسطها، أو آخرها.
ينظر إلى خريطة بسيطة أو صورة شارع، ثم يبحث عن بنك و مكتب بريد و طبيب.
يعمل مع زميله في حوار قصير:
– أين البنك؟ – البنك هنا.
يسجل في النهاية رسالة صوتية قصيرة ينطق فيها ثلاث كلمات جديدة تحتوي على الباء.
هكذا أخذنا من مادة الطفل وضوح الحرف، والصورة، والصوت، والتكرار. ثم أضفنا إليها ما يناسب الراشد: قراءة لافتة، واستعمال خريطة، والسؤال عن مكان، وتسجيل نطقه ومراجعته.
الخلاصة
«هل هذه المادة للأطفال؟» سؤال قاصر. والسؤال الأدق هو: أي جزء منها يفيد المبتدئ، وما الذي ينبغي أن أغيره حتى أحترم عقل الراشد وخبرته؟
Lichtman, K. (2016). Age and learning environment: Are children implicit second language learners? Journal of Child Language, 43(3), 707–730. https://doi.org/10.1017/S0305000915000598
Liu, J. (2004). Effects of comic strips on L2 learners’ reading comprehension. TESOL Quarterly, 38(2), 225–243. https://doi.org/10.2307/3588379
Sun, C.-H. (2015). The three little wolves go to college: A picture book lesson for young adult EFL learners. Journal of Adolescent & Adult Literacy, 59(2), 183–195. https://doi.org/10.1002/jaal.434
Sun, C.-H. (2017). The value of picture-book reading-based collaborative output activities for vocabulary retention. Language Teaching Research, 21(1), 96–117. https://doi.org/10.1177/1362168816655364
التعليقات