شـامـل | القدوة الحقيقية: كيف نختار من يلهم ذواتنا ويحفزنا؟ | العدد #57 |
| 3 مارس 2026 • بواسطة أحـمـد الحـجـيلـي • #العدد 57 • عرض في المتصفح |
|
قد يتساءل البعض: لماذا يصبح فلان من الناس قدوة؟ لماذا ذلك اللاعب أو الممثل صاحب الشعبية الجارفة، أو الحسابات ذات المتابعة الكبيرة على وسائل التواصل، بينما يظل الطبيب الذي اخترع علاجًا ناجعًا مثل د. أنتوني فاوتشي في مجال الأمراض المعدية، أو الفقيه الذي يحلل المسائل بدقة كالشيخ بن عثيمين - رحمه الله، أو المفكر الذي يوسع مدارك الإنسان كالدكتور عبد الوهاب المسيري - رحمه الله، غير قدوات في أعين العامة من هذا الجيل؟ لماذا ينجذب الشباب إلى من لا يقدم لهم فائدة حقيقية في حياتهم اليومية أو المستقبلية، بينما يظل العلماء والمبدعون الأقل تأثيرًا على الناس؟إن فهم آلية اختيار القدوة عند البشر يبدأ بالإدراك أن اختيار قدوات لا تضيف فائدة حقيقية أو تعكس قيمًا سطحية، يعد بحد ذاته دليلًا على خلل في تقييم المجتمع للقيم والأولويات. فالقدوة ليست مجرد اسم يتردد في الأذهان، بل هي أداة لبناء الإنسان وغرس قيم النجاح والاجتهاد والتفكير الصحيح في نفسه.
|
|
|
الترفيه واللذة: لماذا ينجذب الناس إلى المشاهير؟ |
|
إن اختيار القدوات عبر التاريخ غالبًا ما انعكس على ما يثير المتعة واللذة في الإنسان. فالإنسان يميل بطبيعته إلى ما يرضي روحه ويشبع فضوله، وفي الترفيه يجد المتعة السريعة، بينما العلم والعمل الجاد غالبًا يحتاجان إلى صبر ومثابرة قبل أن تظهر ثمرتهما. |
|
في العصر العباسي، كان الشعراء والمثقفون جزءًا من حياة الناس، لكن العامة كانوا يرددون الأبيات الشعرية في مجالسهم للتسلية والمتعة، أكثر مما يناقشون علوم الشعر والأدب بعمق. السبب ليس ضعف الفكر، بل غياب المتعة المرتبطة بالعلم، أو برمجة الإنسان على اعتبار المتعة القصيرة المصدر الأكثر تأثيرًا في حياته. |
|
حتى اليوم، نجد أن الفنان أو المؤثر على وسائل التواصل يحظى بقبول جماهيري أكبر من العالم أو الطبيب أو المفكر، ليس لأنه أفضل، بل لأنه يوفر متعة سريعة ومؤثرة على الروح. المتعة الآنية تجعل الشخص أسهل في التقدير، بينما الإنسان الذي يعمل بجد يحتاج وقتًا ليُرى أثره، وغالبًا لا يُقدَّر إلا من يسعى لتحقيق نفس المكانة في مجاله. |
تصحيح مفهوم القدوة: الفائدة قبل الشهرة |
|
القدوة ليست مجرد اسم لامع أمامنا، بل تقييم واعٍ لمن نستلهم منهم القوة والطموح. علينا أن نسأل أنفسنا: من هم قدوتي؟ لماذا اخترتهم؟ ماذا سيضيفون لحياتي؟ |
|
إذا كنت طبيبًا، لماذا أختار مهرجًا قدوة؟ هل المتعة الآنية تكفي لجعل هذا الشخص نموذجًا لحياتي؟ لماذا لا أختار ناجحًا في مجالي ليكون قدوة لي؟ الترفيه مهم، لكنه يجب أن يظل ضمن حدوده. اختيار قدوة لا تضيف للإنسان شيئًا هو هدر للوقت وضياع للبوصلة. في زمن يجب فيه استثمار كل مرحلة من حياتنا بشكل فعّال، لا أن نكون مجرد متابعين لشخص بلا تأثير على حياتنا العملية أو الفكرية. |
|
القدوة الحقيقية هي من يضيف قيمة لحياتنا، من يلهمنا لنكون أفضل، ويحفزنا على الاجتهاد والتطوير، سواء في العلم، أو العمل، أو الأخلاق، أو الفن الهادف. |
|
اختيار القدوة بحسب مجالك ومهاراتك |
|
غالبًا ما نختار القدوات رغبةً في تجسيد ما نطمح إليه أو امتدادًا لأنفسنا. اختيار قدوة لا تشبه موهبتي أو مجالي هو تبديد لقيمة القدوة، والتي يجب أن تُصرف في مكانها الصحيح. لا يمكن أن يكون المغني أو المؤثر الذي يقدم المتعة فقط قدوتنا إذا كان بعيدًا عن تجاربنا ومسار حياتنا. |
|
يجب أن يكون اختيار القدوة مبنيًا على قدراتنا ومجال عملنا، فهذا يعزز القدوة الإيجابية ويعود بالنفع علينا مباشرة، ويقوي همتنا وإصرارنا على التقدم. الترفيه مهم، لكنه يظل مجرد متعة، بينما القدوة يجب أن تكون مصدرًا للإلهام والتحفيز، لا مجرد إعجاب عابر. |
القدوة والمعنى العميق للإنسان |
|
القدوة ليست مجرد التقليد أو الانبهار، بل وسيلة لفهم النجاح الحقيقي والاستفادة من تجارب الآخرين لتطوير أنفسنا. الدراسات النفسية، مثل نظرية التعلم الاجتماعي لعالم النفس باندورا (Bandura, 1977)، تؤكد أن متابعة سلوكيات قدوة إيجابية يعزز السلوكيات الجيدة ويحفز الإنجاز. |
|
القدوة الحقيقية تزرع في النفس قيم الاجتهاد، والصبر، والابتكار، والمسؤولية. تمنح منظورًا واضحًا للحياة، وتحفز بناء مستقبل أفضل للفرد والمجتمع. أما اختيار قدوات بلا قيمة حقيقية، فيجعل الإنسان أسيرًا للسطحية ويضيع وقته وطاقته في الانبهار بدل البناء. |
الخاتمة |
|
اختيار القدوات مسؤولية كبيرة، ويجب أن يكون واعيًا، مبنيًا على المنفعة الحقيقية والإلهام الفعلي، لا على الشهرة الزائفة. القدوة ليست مجرد تقليد أو إعجاب، بل وسيلة لتعلم النجاح والتحفيز على الاجتهاد وبناء الذات. |
|
حين نصحح نظرتنا للقدوة ونختارها وفق مجالاتنا وقدراتنا، نصنع لأنفسنا نموذجًا حقيقيًا للنمو، ونحوّل المتعة إلى أداة للتعلم والإلهام بدل أن تكون مجرد استهلاك عابر. القدوة الواعية تحول الفرد إلى شخص أفضل، وتجعله قادرًا على مواجهة التحديات، وتحقيق أهدافه، وإحداث فرق حقيقي في حياته وحياة من حوله. |



التعليقات