
خان الخليلي
بقلم: نعيمة السماك
بالطبع هي ليست المرة الأولى، وقد لا تكون الأخيرة فيما تبقى لنا من عمر. لكني في كل مرة أزورها، أعني مدينة القاهرة، أحسب أنني أزورها للمرة الأولى، إذ أبقى أراقب كل شيء من حولي بدهشة وفضول: أحاديث الناس واللهجة المميزة، حركة الشارع، المحلات التجارية، الفاترينات والحارات، المطاعم ومحلات العصير، وكل ما يمت إلى الحياة بصلة.
في سبتمبر الماضي سافرت إلى القاهرة بمعية صديقتي مريم. وفي كل مرة أزور القاهرة، لا بد من الذهاب إلى الحسين وخان الخليلي، للجلوس في المقاهي التاريخية القديمة.
لماذا نعود إلى ذات الأماكن التي سبق لنا الذهاب إليها، وكانت لنا ذكريات فيها؟ أهو الحنين، أم الرغبة في اكتشاف شيء جديد لم يتسنَّ لنا اكتشافه في المرة الأولى؟
في قهوة الفيشاوي بخان الخليلي، كنا نجلس متجاورتين، وأمامنا الحب أو لب اليقطين وإبريق الشاي، أو كما يسميه المصريون «البراد»، وإلى جانبه أوراق النعناع الأخضر.
في القهوة يمكنك أن تطلب أي نوع من أنواع القهوة: التركية، الكابتشينو، النسكافيه، الموكا، إلى جانب العصائر الطبيعية، ولعل ألذها هو عصير المانجو الطبيعي. عادةً أطلب براد الشاي الصغير والجميل في آنٍ واحد، وأظل أحتسي الشاي تباعًا، وقد أطلب برادًا جديدًا.
وفيما أنت جالس في القهوة، يمر عليك العديد من الباعة الجوالين، نساءً ورجالًا، بمقتنيات لا تحتاجها ولن تحتاجها أصلًا: أكواب كُتبت عليها أسماء، إكسسوارات، حناء لنقش اليد، أقلام، كتب وأشياء كثيرة أخرى قد لا تخطر على البال.
ويظل الباعة يلحّون ويلحّون عليك دون تعب أو كلل كي تشتري منهم. وأكثر ما أعجبني شاب ظريف اقترب من طاولتي وقال إنه سيغني لي لمدة ربع ساعة، على أن أعطيه ثمن الغناء. بعد تردد قبلت. سألته أن يغني لنا بعضًا من الأغاني الخليجية أو العراقية القديمة التي أعشقها، كما سألته أن يغني بعض أغنيات خالد الشيخ أو أحمد الجميري، لكنه للأسف لم يكن يعرف أيًّا من تلك الأسماء التي ذكرتها له.
أما المكان فهو خليط من أصوات الباعة الجوالين، نساءً ورجالًا، وصوت الطبلة والأغاني المتدفقة من حناجرهم، وطلبات الزبائن. وتعمل القهاوي حتى وقت متأخر من الليل، أو حتى الساعات الأولى من الفجر.
هذه المرة لم يكن في نيتي زيارة الآثار أو الأهرامات أو القرية الفرعونية. كل تلك الأماكن سبق لي زيارتها في زيارات سابقة، بل انصبّت رغبتي على التمشي والاستمتاع. كان الجو به شيء من الحرارة، لكنه في المساء يكون لطيفًا.
تعود لي ذكريات دراستي في مصر لنيل درجة دبلوم الدراسات العليا في العلاقات العامة والإعلام، في كلية الإعلام بالقاهرة، حين كنا نسكن، نحن الطلبة البحرينيين، في حي المهندسين الراقي، الذي توجد فيه الملحقية الثقافية البحرينية.
وكنا حين نستقل سيارة الأجرة إلى السكن، فإن أول ما نقوله للسائق: «البطل أحمد عبد العزيز»، ونعني بذلك شارع البطل أحمد عبد العزيز، الذي يقع فيه سكن الطالبات.
أتذكر كذلك كشري العمدة، وعصير فرغلي الشهير الذي يقع في شارع جامعة الدول العربية. أما لماذا تحضرك كل تلك الذكريات القديمة، فهو شيء لا أجد له تفسيرًا.
إن ما أثلج صدري في هذه الزيارة أنني لم أتعرض في المطار إلى الإلحاح الكبير الذي كنا نتعرض له سابقًا من قبل العاملين في المطار، ولم أسمع تلك الكلمة الشهيرة التي يرددها المصريون من العمال في المطار: «كل سنة وأنت طيب»، كي يحصلوا على شيء من الإكرامية. لقد قلّ عدد المتسولين بشكل كبير، وهذا أمر تُشكر عليه جهود الحكومة المصرية.
أما حي خان الخليلي فيقع في القاهرة القديمة بالقرب من جامع الأزهر وشارع المعز لدين الله الفاطمي. وتعود تسمية خان الخليلي بهذا الاسم إلى العصر المملوكي، وهو مرتبط باسم الأمير جهاركس الخليلي، أحد أمراء المماليك، الذي ارتبط اسمه بإنشاء هذا السوق التاريخي في أواخر القرن الرابع عشر الميلادي.
وفي قهوة الفيشاوي هناك باب خشبي كُتبت عليه سنة تأسيس القهوة، والتي كانت في العام...
وكلمة «خان» تعني في هذا السياق مكانًا تجاريًا يضم الدكاكين والمخازن، وقد يشتمل على أماكن لإقامة التجار القادمين من المدن والبلدان البعيدة.
تبقى القاهرة من الوجهات السياحية المرغوبة دائمًا. وعندما تزورها أو تسكن فيها، فإن الحنين يظل يعاودك إليها، وكما يقال: «اللي يشرب من ماء النيل يرجع له تاني»
التعليقات