نشرة مُلهِم البريدية الموسم الثاني - العدد #15 - الهروب من المنهج
خطوة نحو الفاعلية:
انتشار الباطل وقلّة المصلحين لا تسوغ لمن كان له حظٌ من العلم قعوداً ولا يئساً؛ بل إن حاجة الناس وغربة الحق تُوجبان العمل الدؤوب ومضاعفة الهمّ حتى يلقى الله وقد أدى زكاة ما علم وعمل بواجب إصلاح أمته.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، أما بعد:
فإن طالب العلم يجد في حياته أصواتا مختلفة لتيارات تدعوه إلى أفكارها، وتوجهات تعلن شعاراتها، وأفكار تتخطف الناس، وأحداث كبرى تزلزل بعض النفوس، وتبعثر الحقائق في بعض العقول.
وعند ذلك تختلف ردود أفعال طلاب العلم، فمنهم من يحقق العلم فيما يتكلم فيه، ويقوّم هذه الوقائع بمعيار الشرعية وضوابط العلم، ومنهم من تتخفطه الأهواء، ومنهم من يهرب من هذه الخلافات، تاركا أهل الباطل وأهل الحق سواء!
ولهذه الظاهرة وهذه التوجهات أسباب عدة يطول الكلام عنها، لكنا سنتحدث في هذه الخاطرة عن ظاهرة الفزع من الخلاف المنهجي المفضي لبعض الناس أن يترك الحق وأهله، زاعما اختيار الحياد، غافلا عن نور الحق الذي حمله عدول الخلف عن السلف.
كيف تُبنى المناهج وتصنع التصورات؟
يعيش الإنسان في حياته -بطبيعتها وطبيعته- مؤثرا ومتأثرا بالبيئة التي ينمو فيها، والتغذية التي يتلقاها من محطيه، فتترك بصمتها فيه، وربما ترك هو كذلك بصمته، ومن هنا تتكون كثير من المفاهيم والقناعات والمشاعر، بشيء من العفوية، دون مرور حقيقي على معايير الحقيقة، وضوابط النظر.
ولقائل أن يقول إن هذا هو مقتضى فاعلية الإنسان وانفتاحه ونشاط نفسه وعقله، إذ يكون مستعدا للجديد، متفاعلا مع الحياة، فاتحا قلبه وعقله للأفكار التي ربما تغير حياته، وتسلك به طورا من أطوار النمو، أو لنقل: إن هذه الطريقة التي تنشأ بها التصورات وتتكون بها التوجهات، وتنمو بها المفاهيم.. مصير كل حي، وليس ثم منطقا أصما وعقلا مجردا لا يتلقى إلا محض المعرفة.. ومن ثم فلا تثريب على أن يكون تبنّي التوجهات وصياغة المفاهيم وسبك المناهج = انفعالا يحركه واقع الحياة، وظروف البيئة المحيطة، زمانا ومكانا.
ولن نطيل المجادلة هنا ولا التحليل والنقاش في عموم هذه الظاهرة ومسوغاتها ومخاطرها -إن كان ثم- إلا في جانب واحد من جوانبها، ومحورا من محاورها، وبابا من أبوابها.
ذلك أن أصول الفكر والنظر، وقواعد المعرفة والفهم، والشعارات العامة الصابغة للمفاهيم المؤثرة في التوجهات = تتقاطع كثيرا -إن لم يكن دائما- مع تعاليم الشريعة، وأوامر الله تعالى، وأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومحكمات الدين.. وما ينبني على ذلك في كل ذرة من ذرات الحياة، وكل رأي، وكل سلوك، وكل شعور، وكل علاقة، وكل توجه.
فالله سبحانه لم ينزل علينا دينا يجيب على أسئلة المجلات الثقافية، وليست شريعة تنظم بعض سلوك الإنسان المتدين بها وحسب، وليس أخبارا متفرقة تلبي فضول أتباعه، وليست طقوسا تلبي جوعا روحيا يمر بالإنسان حينا بعد حين.
بل الله سبحانه أنزل نورا، وهدى للناس، وبيانا، وتبيانا، وبصائر، وروحا، وشفاء لما في الصدور، ورحمة، "يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم". [المائدة:16]
إن هذا النور الإلهي، وهذا الهدى المستقيم، بما تضمنه من حقائق وأوامر وقصصا ومواعظ = هي الضامن الوحيد لسلامة الحياة الإنسانية، ولصناعة الحياة الطيبة، وصناعة الفكر المستقيم، والنظر الصحيح، والخلق القويم، والمنهج المطرد على الصواب والعدل والفضيلة.
إن هذا الهدى، الموصوف بهذه الصفات الحقيقية الوجودية، ينيل الإنسان -الذي يتبعه ويتلوه ويصاحبه- هذه الأوصاف.
فكل أمر إلهي، وتوجيه نبوي، هو قبس من هذا النور، وهذه الروح، والرحمة، والشفاء، والبيان والتبيان، ومن ثم فإن الإنسان يصطبغ بهذه الصبغة، وتتطهر نفسه بهذا المنهاج = بقدر تلقّيه إياه، وبقدر تضلعه به، وبقدر صدقه في التلقي "فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين، وقل الحمد لله، سيريكم آياته فتعرفونها، وما ربك بغافل عما تعلمون". [القصص:92-93]
فالله الكريم الهادي الحكيم الرحيم، سبحانه وتعالى، لم يكن لينزل كتابا يوجِب اتّباعه، ويَعِد أتباعه بالهداية في الدارين، ثم يبقى -بعد التضلع به- في نفس الإنسان أسباب حقيقية للحيرة والشقاء والتيه.
تلك الحيرة وذلك الشقاء الذي يلجئ الإنسان إلى البحث الدائم المضني، والسؤال المستمر واللهث خلف الأفكار بعطش وخوف، وتلقي النظريات والمناهج من هناك وهناك... سببها الأول: الإعراض عن هدى الله، "طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، إلا تذكرة لمن يخشى. تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى الرحمن على العرش استوى. له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى. وإن تجهر بالقول فإنه يسمع السر وأخفى. الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى". [طه:1-8]
" فأين تذهبون"؟
كيف تتخذ لك منهجا، تنشئ قواعده، وتصوغ به التصورات الكبرى، وأنت محبوس في حيز الواقع؟ ومنطلق من إملاءات المرحلة، مراقبا اختلاف التيارات لكي تتجنب أخطاءها وتقفز بين حبال النظريات، ويخطفك كل خطاب ذكي، وكل قلم سيال، وكل زخرف من القول، "يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب" [النور: 24].
كيف تترك نور الله سبحانه وتتيه في هذه الصحراء؟
إن الأزمنة التي تضطرب فيها المناهج، وتتزاحم النظريات، ويغيب فيها نجم أهل العلم الراسخين، لهي من أخطر الأزمنة على أفراد الأمة -لا سيما شبابها- من حيث اختلال البوصلة، واندراس الأصول، وتآكل العقيدة الصحيحة. فيتيه الناظر ويغره لمعان بعض الأفكار، وتفتنه أخطاء بعض المنتسبين إلى الحق، فيقفز من السفينة قائلا لمن حوله بلسان حاله: "سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين". [هود:43]
أيها القارئ الكريم، إن التمسك بالكتاب، والوقوف على أمر الله ورسوله، والإيمان المطلق بالغيب، والتسليم التام لمقتضيات النصوص، هو المبدأ في بناء المنهج السليم، المنهج الذي يسلم أتباعه من الوعيد الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم: "كلها في النار إلا واحدة" قالوا من هي يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي"(1).
وإن ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه هو الدين المنقول إلينا منهم، لم يغب منه شيء، ولم ينقص منه شيء، ولم يضف إليه أهل العلم شيء، هو ما تجده في الصحاح والسنن والمسانيد، وهو ما فسر الصحابة به القرآن، وما طبقوا به أوامر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وما أداروا به الخلاف فيما لم تقطع به الشريعة.
فلا تخطفنك تهويلات الواقع، ولا تستلبنك حماقات بعض الناس، ولا تظنن ذكاء النظار مغنيًا عن نور الله، ولا إبداع العباقرة محدثا في دين الله ما غاب منه من الحق، ولا بلاغة البلغاء مسوغا للصد عن الدين المنقول عن السلف، ولا تهرب من المنهج، "وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر، ولو شاء لهداكم أجمعين". [النحل:9].
هي نشرات بريدية ترسل أسبوعيًا على مشتركيها ومحتوى هذه النشرة تعظيم أثر طلاب العلم، يشارك في كتابة محتواها كُتّاب مميزون، مهتمون بمجالات تعظيم أثر طلاب العلم.
التعليقات